العقاب الرادع

العقاب الرادع

 

الكاتبة : عابدة المؤيد العظم

كتاب : هكذا ربّانا جدي علي الطنطاوي

 

“عقاب واحد صارم في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة يغني المربين عن عشرة. فإذا حزمتم مع أولادكم وشرعتم في العقوبة فاكبتوا عواطفكم ولا تتراجعوا ولا  تفسدوا أثر الحزم بالعاطفة والدلال.”

 

  •   *        *       *

 

استأجر الشيخ علي الطنطاوي ذات صيف منزلاً كبيرًا في منطقة ريفية جميلة هادئة في أحد مصايف الأردن ليضم شمل عائلته المتفرقين في البلاد.

 

وفي ذلك المنزل قضينا أيامًا رائعة استمتعنا فيها بصحبة جدنا وسررنا باجتماعنا بعد طول الفراق، لكن البيت كان بلا كهرباء فلم يمكن استعمال ما يعمل بالكهرباء من أجهزة وأدوات (بما فيها غسالة الملابس الكهربائية).

 

وهنا كانت المشكلة : فقد كنا نقضي النهار –نحن الأحفاد الصغار- حول البيت نلهو ونلعب في الحدائق والبساتين الواسعة، بين كروم العنب وتحت الأشجار الوارفة، ثم نعود مساء وقت النوم وقد اتسخت ملابسنا وغطتها الأتربة وتناثرت عليها بقع العنب وآثار الفاكهة، فنغتسل ثم ننام،

تاركين أمهاتنا ساهراتٍ أمام أطباق الغسيل في الحمام، كل واحدة منهن تغسل ملابس أولادها.

 

وفي الصباح يجد كل حفيد منا ملابسه نظيفة مرتبة، ويتلقى قبل خروجه إلى اللعب توصية من أمه بأن يلعب بحذر وهدوء ليحافظ على نظافة ملابسه وأناقتها حتى لا تضطر أمهاتنا إلى غسلها كل يوم.

 

ولكنا كنا نندمج سريعًا في اللعب فننسى كل التوصيات ولا نكترث ولا نبالي بغير اللعب الممتع، ثم نعود مساءً وقد اتسخت ملابسنا شأنها كل يوم.

 

فماذا تفعل الأمهات عندئذ؟ تكرر التنبيه، توبخ بشدة، تضرب، تمنع طفلها من اللعب خارج المنزل… ولكن ذلك كله لا يفيد، ويبقى الأولاد على سلوكهم بلا تبديل ولا تعديل.

 

*      *       *

 

فماذا فعل جدي عندما علم بالأمر وكيف حل المشكلة؟

 

لقد عالج الموضوع بأسلوب مبتكر مبدع، استعمله مره واحدة فقط، بحزم وبصورة توحي بالقسوة، ولكنه كان العقاب الرادع الذي جعلنا نحافظ على نظافة ملابسنا، ومنعنا أن نكون أنانيين لا نفكر إلا بأنفسنا وسعادتنا ومتعتنا ناسين حق أمهاتنا.

 

لقد فاجأنا ذات ليلة –وقد عدنا من اللعب في الحقول منهكين متعبين نحلم بالراحة والنوم العاجل في الفراش- فألزم كل واحد منا أن يغسل ملابسه وينظفها قبل أن ينام، كما كانت تفعل أمه تمامًا.

 

اعتذرنا ورجونا جدي أن يعفينا من تلك المهمة ويسمح لنا بالنوم، لكنه رفض اعتذارنا وأصر على تنفيذ الأمر، فامتثلنا راغمين.

 

تعبنا يومها كثيرًا، وتجرّحت أيدينا الصغيرة الناعمة، وأخذ منا الغسيل وقتًا وجهدًا كبيرًا، وأنهكنا النعاس (حتى أشفقت علينا أمهاتنا فرجون جدي أن يعفو ويسمح لنا بالنوم، وهو مصمم على المضي في العقاب).

 

لكن العلاج كان شافيًا والعقاب حاسمًا، فلم نعد لمثل هذا السلوك من بعد أبدًا طوال الصيف، وصرنا من يومها أكثر تقديرًا لتعب أمهاتنا وحرصًا على أن نجنبهن الجهد والعناء.

 

ربما بدا جدي قاسيًا في تلك الليلة، ولكن أتظنون أننا كنا سنقوّم سلوكنا ونتخلى عن أنانيتنا وأثرتنا بغير ذلك الألم وبدون تلك المعاناة؟

 

 

صفحة 61

 

 

اذكروا لنا عقابًا لطيفًا لصغيركم أو لكم عندما كنتم صغارًا غير مؤذي نفسيًا ولا جسديًا وكان نافعًا ذكيًا ؟ 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المكان KSA - Riyadh البريد الإلكتروني mamas.arwa@gmail.com ساعات في خدمتكم خلال 24 ساعة من التواصل بإذن الله
%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close